نورالدين علي بن أحمد السمهودي
247
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
والذي أجلى المشركين من جزيرة العرب هو عمر رضي الله عنه ؛ ففي الصحيح من حديث ابن عمر أن عمر بن الخطاب أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز ، وكان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم لما ظهر على أهل خيبر أراد أن يخرج اليهود منها ، وكانت الأرض لما ظهر عليها لله وللرسول وللمؤمنين ، فسأل اليهود رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتركهم على أن يكفوا العمل ولهم نصف الثمر ، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « نقركم على ذلك ما شئنا » فأقروا حتى أجلاهم عمر في إمارته إلى تيماء وأريحاء . وفي الصحيح أيضا عن ابن عمر : لما فدع « 1 » أهل خيبر عبد الله بن عمر قام عمر خطيبا ، فقال : إن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم كان عامل يهود خيبر على أموالهم وقال : نقركم على ما أقركم الله ، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك ، فعدي عليه من الليل ، ففدعت يداه ورجلاه ، وليس لنا هناك عدو غيرهم ، هم عدونا وتهمتنا ، وقد رأيت إجلاءهم ، فلما أجمع عمر على ذلك أتاه أحد بني الحقيق ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أتخرجنا وقد أقرنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ وعاملنا على الأموال ، وشرط ذلك لنا ، فقال عمر : أظننت أني نسيت قول رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة » فقال : كانت هذه هزيلة من أبي القاسم صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : كذبت يا عدو الله ، فأجلاهم عمر ، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالا وإبلا وعروضا من أقتاب وحبال وغير ذلك . وظاهر هذا أن عمر رضي الله عنه إنما استند في إجلائهم لهذه القصة . وروى ابن زبالة عن مالك عن ابن شهاب أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يبقى دينان في جزيرة العرب » . قال ابن شهاب : ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتى أتاه الثلج « 2 » واليقين أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يبقى دينان في جزيرة العرب » فأجلى يهود خيبر ، قال مالك : وقد أجلى عمر بن الخطاب يهود نجران وفدك . وروى البيهقي من حديث عمر مرفوعا : « لئن عشت إلى قابل لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب » وخرجه مسلم بدون « لئن عشت » وفي مسند أحمد والبيهقي عن أبي عبيدة قال : كان آخر ما تكلم به رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب » الحديث . وروى أحمد بسند جيد عن عائشة قالت : آخر ما عهد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أن قال : « لا يترك بجزيرة العرب دينان » .
--> ( 1 ) الفدع : عوج في المفاصل كأنها قد فارقت مواضعها ؛ وأكثر ما يكون في رسغ اليد أو القدم . ( 2 ) أتاه الثلج : الرضى والاطمئنان واليقين .